الشيخ محمد زاهد الكوثري
20
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
الرفع في آية آل عمران : ونحن إذا رجعنا إلى قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] في آيات آل عمران مع قوله : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النّساء : 158 ] في آيات النساء وجدنا الثانية إخبارا عن تحقيق الوعد الذي تضمنته الأولى ، وقد كان هذا الوعد بالتوفية الرفع والتطهير من الذين كفروا ، فإذا كانت الآية الثانية قد جاءت خالية من التوفية والتطهير ، واقتصرت على ذكر الرفع إلى اللّه ، فإنه يجب أن يلاحظ فيها ما ذكر في الأولى جمعا بين الآيتين . والمعنى أن اللّه توفى عيسى ورفعه إليه وطهّره من الذين كفروا . وقد فسر الألوسي قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [ آل عمران : 55 ] بوجوه منها - وهو أظهرها - إني مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلط عليك من يقتلك ، وهو كناية عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من الفتك به عليه السلام ، لأنه يلزم من استيفاء اللّه أجله وموته حتف أنفه ذلك . وظاهر أن الرفع الذي يكون بعد التوفية هو رفع المكانة لا رفع الجسد خصوصا وقد جاء بجانبه قوله : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ آل عمران : 55 ] مما يدل على أن الأمر أمر تشريف وتكريم . وقد جاء الرفع في القرآن كثيرا بهذا المعنى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [ النّور : 36 ] ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ الأنعام : 83 ] ، وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) [ الشّرح : 4 ] ، وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] ، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [ المجادلة : 11 ] الخ . . . وإذن فالتعبير بقوله : وَرافِعُكَ إِلَيَّ [ آل عمران : 55 ] وقوله : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ النّساء : 158 ] كالتعبير في قولهم لحق فلان بالرفيق الأعلى وفي إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التّوبة : 40 ] وفي عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ، وكلها لا يفهم منها سوى معنى الرعاية والحفظ والدخول في الكنف المقدس . فمن أين تؤخذ كلمة السماء من كلمة إِلَيْهِ [ البقرة : 178 ] ؟ اللهم إن هذا لظلم للتعبير القرآني الواضح خضوعا لقصص وروايات لم يقم على الظن بها - فضلا عن اليقين - برهان ولا شبه برهان ! الفهم المتبادر من الآيات : وبعد فما عيسى إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، ناصبه قومه العداء ، وظهرت على وجوههم بوادر الشر بالنسبة إليه ، فالتجأ إلى اللّه شأن الأنبياء والمرسلين